آه يا جزائريين!
ما الذي يجري بالضبط للمجتمع الجزائري؟ هل يُعقل أن تتنامى ظاهرة الاعتداء على
الأصول واختطاف الأطفال واغتصابهم بطريقة لا تحدث إلاّ في أفلام هيتشكوك؟ ولماذا
كلّ هذا الإجرام؟ وهل هو ظاهرة جديدة "فضحتها" وسائل الإعلام، و"ضخـّمتها"
أحيانا وهوّلتها، أم أن هذه الجرائم قديمة وكانت تنخر المجتمع منذ عشرات السنين
لكن في صمت؟
علينا أن نعترف جميعا، أن المجتمع لم يعد ذلك المجتمع الجزائري الذي كان يعيش في
أمن وسلم وطمأنينة، وكانت "الجماعة" كافية لحلّ مشاكل عويصة قبل أن تصل مخافر
الشرطة وأروقة المحاكم، لكن اليوم استقالت نخب المجتمع فرديا وجماعيا، وبالجملة
والتجزئة، ولم تعد مكترثة للعب دور الوساطة وتسوية المعضلات قبل سقوط الفأس
على الرأس؟
يُصيبك الدوار والشعور بـ"القنطة"، عندما يتصل مواطن بحصة إذاعية ليسأل فضيلة
الشيخ، عن كيفية توزيع والدة مسكينة بلغت من العمر عتيّا، بين أولادها وبناتها
المتزوجين، وكيف اقترح هؤلاء تقسيم أمهم لفترة زمنية معينة بينهم، شريطة أن تكون
بالقسطاس، حتى لا يشعر هؤلاء"الأبناء" الأشاوس بعبء أمهم، فلا حول ولا قوّة إلاّ
بالله العليّ العظيم!
أستغفر الله العظيم.. هل يُعقل أن يصل المجتمع إلى حدّ التخلي عن الأمهات والآباء،
بحجة المشاكل الاجتماعية، وتارة تحت ذريعة أن زوجة الابن "واعرة"، أو أن زوج
الابنة "ما يتعاشرش؟".. علينا أن نذرف الدموع حين نسمع مثل هذه الفضائح التي
قصمت ظهر المجتمع، وأفسدت أخلاقه ودفنت قيمه وعاداته وتقاليده وأنسته دينه!
نعم، على الإمام والمعلم والصحفي والباحث والنفساني والمُصلح، وعلى السياسي
والنائب والمحامي ورجل القانون، أن يتحمّلوا المسؤولية، إلى جانب الأسرة والعائلة
والشارع، في كلّ هذا الذي يحدث في بلد كان إلى وقت قريب، يكفر بعجائب وغرائب،
أصبحت اليوم جزءا من يوميات الجزائريين، فصدّقوا أو لا تصدّقوا!
الإشكالية الأساسية تبدأ من الأخلاق والتربية والدين، فقد تحوّل المجتمع إلى رهينة
سهلة الاستعمال بين أيدي التقليد الأعمى، ومن طرف الفضائيات الأجنبية، فبالله عليكم
ما الذي تنتظرونه من جيل أدمن على مطاردة كل شاردة وواردة عن زواج الفايسبوك
وأفلام الأكشن و"العشق الممنوع"، هذه السينما الملعونة التي تروّج وتبرّر للقتل
والاختطاف والخيانة و"*** المحارم" والعياذ بالله؟
لقد صرّحت طالبة جماعية خلال مُجريات التحقيق، أن مارّة لم يتدخلوا لإنقاذها من يد
مختطفها الذي اغتصبها في ما بعد باستعمال العنف، فهل هذه هي شيّم الجزائريين
وكبرياؤهم، وألم تكن في الزمن الجميل هذه الفتاة ابنة لكلّ الجزائريين، وبالتالي وجب
إنقاذها من دون معرفة اسمها وعنوانها وتاريخ ميلادها، ويكفي أنها طلبت المساعدة
واستنجدت بمن لمحته عيناها؟
المشكل عويص والجرح أعمق وأكبر من أن يتمّ "مسح الموس" في هذا أو ذاك، والحلّ
قد يبدأ من مراجعة أبجديات التربية، وتلقين مكارم الأخلاق وتثبيت أصول الدين في
الصغير والكبير، وقد يبدأ أيضا بالعودة إلى الصرامة والعدل في تطبيق القانون، من دون
تمييز ولا مفاضلة، وعلى القويّ قبل الضعيف، وبعدها سيصبح الاختطاف والاغتصاب
وقتل الأطفال، ظاهرة شاذة ومعزولة، بدل أن تكون عدوى وموضة وهواية ومهنة
يُمارسها صغار المجرمين وكبارهم!
الكاتب: جمال لعلامي
المصدر: الشروق اليومي